أحيانًا، لا يكون الصمت دليلًا على غياب الكلام، بل على كثرة ما لم نستطع قوله.
كم مرّة ابتسمنا ونحن في داخلنا نكاد نبكي؟
وكم مرّة قلنا «أنا بخير»، لا لأنّنا كذلك فعلًا، بل لأنّنا لم نعد نملك الطاقة لشرح ما يحدث في أعماقنا؟
نتعلّم منذ الصغر كيف نُرضي الآخرين، وكيف نختار كلماتنا حتى لا نُغضب أحدًا، وكيف نبدو أقوياء حتى عندما نشعر بالهشاشة. ومع مرور الوقت، قد نُتقن إخفاء مشاعرنا إلى درجة أنّنا ننسى كيف نصغي إليها.
لكن، ماذا يحدث للمشاعر التي لا تجد طريقها إلى التعبير؟
إنّ ما لا نقوله لا يختفي دائمًا. قد يظهر في انفعال لا نفهم سببه، أو في علاقة نستمرّ فيها رغم ألمها، أو في خوف يمنعنا من اتخاذ خطوة نرغب فيها، أو في تعب نشعر به دون أن نعرف مصدره.
أحيانًا، لا يكون صمتنا اختيارًا واعيًا، بل طريقة تعلّمنا بها حماية أنفسنا. ربما خفنا من الرفض، أو من سوء الفهم، أو من أن نُتّهم بالمبالغة، أو من أن نخسر شخصًا إذا قلنا له الحقيقة.
وهكذا، نبدأ في إخفاء أجزاء من أنفسنا حتى نحافظ على علاقاتنا، ثم نكتشف أنّنا، ونحن نحاول ألّا نخسر الآخرين، قد نكون ابتعدنا عن أنفسنا.
لكن الوعي لا يبدأ بإجبارنا على قول كل شيء، ولا بمواجهة الجميع دفعة واحدة. يبدأ بسؤال صادق نطرحه على أنفسنا:
ما الذي أشعر به حقًا، وما الذي أخشى أن يحدث لو عبّرت عنه؟
هذا السؤال البسيط قد يفتح بابًا لفهم أعمق لذواتنا. فهو لا يطلب منّا أن نحكم على مشاعرنا، بل أن نعترف بوجودها، وأن نمنحها مساحة آمنة للفهم والتعبير.
ليس كل ما نشعر به حقيقةً كاملة عن الآخرين، وليس كل خوف دليلًا على وجود خطر. لكن كل شعور يستحق أن نصغي إليه، وأن نفهم الرسالة التي يحملها، دون أن نسمح له وحده بأن يقرّر عنّا.
ربما لا نستطيع تغيير ما عشناه، لكن يمكننا أن نتعلّم كيف نتعامل مع أثره في حاضرنا. ويمكننا أن نبدأ، خطوةً خطوة، في استعادة صوتنا الداخلي، وفي بناء علاقات لا نضطرّ فيها إلى الاختفاء حتى نشعر بأنّنا مقبولون.
وقفة مع الذات
خذ لحظة هادئة، واسأل نفسك:
- ما الشعور الذي أُخفيه كثيرًا عن الآخرين؟
- أمام مَن أشعر أنّني مضطرّ إلى التظاهر بأنّني بخير؟
- ما الشيء الذي أتمنّى قوله، لكنّني أخشى نتائجه؟
- كيف يمكنني التعبير عن احتياجي بطريقة صادقة وآمنة؟
لا تحتاج إلى إجابات مثالية. يكفي أن تبدأ بالصدق مع نفسك.
فربما تكون أول خطوة نحو التحرّر هي أن نعترف، ولو بيننا وبين أنفسنا، بما لم نجرؤ يومًا على قوله.
— شيماء العياري
همسات من الروح

Votre commentaire