يدور في قلبي كلامٌ لا يجد طريقه إلى عقلي، كأنّ الشعور قد غمره من كلّ الجهات، فتداخلت حواسي بعضها ببعض، ولم أعد أميّز أين ينتهي الإحساس وأين تبدأ الذاكرة.
أتحسّس ألمًا دفينًا بين طبقات الروح، ينهض بين الحين والآخر، ويرجّ شيئًا في أعماقي، ثم يتركني أتساءل: كيف لشيء لا أراه أن يُحدث كلّ هذا الاضطراب في داخلي؟
أحاول أن أُعالج نفسي، أن أرتّب الفوضى، أن أقنع ما بداخلي بأنّ ما مضى قد مضى. وأتمنّى لو تمرّ بي لحظة تطوي السنين، تمحو بقايا ما علق فيّ، وتُعيد إليّ خفّتي الأولى.
لكنّني، كلّما ظننت أنّني تجاوزت، اكتشفت أنّ شيئًا ما لا يزال هناك… كأنّه الجزء العالق في حلقي من كلّ ما ابتلعته في صمت، من كلّ ما لم أقله، ومن كلّ ما مرّ بي ولم يمرّ منّي.
أحيانًا، لا يكون ما أحسّه مجرّد شعور؛ إنّه يبتلعني، أو بالأحرى، أكون أنا كلّي ذلك الشعور. فلا أعود أعرف إن كنت أحمله في داخلي، أم أنّه هو الذي يحملني إلى مكان لا أعرفه، ولا أجد فيه ما أستند إليه سوى صمتي.
وثمّة أبواب قديمة في داخلي، يُخنق صوت أقفالها روحي كلّما تحرّكت. أبوابٌ شوّه الصدأ ملامحها، وأثقلت السنوات مفاصلها، ومع ذلك، ما زالت تحاول أن تنفتح.
أسمع صريرها أحيانًا، فأصمت.
لا أعرف ما الذي يقف خلفها، ولا لماذا أشعر بأنّها تعرفني أكثر ممّا أعرف نفسي. كلّ ما أعرفه أنّني كلّما ابتعدت عنها، عاد صوتها من مكان أبعد، كأنّ المسافة لا تعني لها شيئًا.
ظننت أنّني نسيتها… لكنّها، على ما يبدو، لم تنسني.
أخبريني، مَن أنتِ؟
كيف استطعتِ أن تبقي كلّ هذا الوقت دون أن أراكِ، وأن تتركي فيّ كلّ هذه الآثار دون أن أستطيع الإمساك بكِ؟ كيف تعرفين الطريق إليّ، حتى حين أُطفئ الأنوار كلّها وأوصد الأبواب؟
لماذا تأتين حين أهدأ؟ ولماذا أسمعكِ أكثر حين لا ينطق أحد؟
لا تطارديني…
فدموع الوجع مُرّة، وأنا لا أحبّ المرارة.
ومع ذلك، كلّما طلبتُ منكِ الرحيل، تركتِ خلفكِ شيئًا لا أعرف إن كان أثرًا منكِ أم أثرًا منّي. وكلّما حاولتُ تجاهلكِ، شعرتُ بأنّ الصمت بيننا يزداد ثقلًا، كأنّكِ تنتظرين منّي كلمةً لم أعرف يومًا كيف أقولها.
أخبريني، مَن أنتِ؟
أأنتِ ما تبقّى من شيء انتهى، أم شيء لم ينتهِ أصلًا؟ أأنتِ صوتٌ خفتَ حتى ظننتُه صمتًا، أم صمتٌ طال حتى صار له صوت؟
أأنتِ تلك اللحظات التي مرّت دون أن ألتفت إليها، أم تلك التي توقّفت عندها روحي، بينما واصلتُ أنا السير؟
أأنتِ ما فقدتُه، أم ما لم أجده قطّ؟ ما عرفته ثم نسيته، أم ما لم أعرفه عن نفسي حتى الآن؟
كلّما حاولتُ أن أمنحكِ اسمًا، أفلتِّ منّي. وكلّما اقتربتُ من تفسيركِ، ازددتِ غموضًا. كأنّكِ لا تريدين أن تُعرَفي، بل أن أظلّ أبحث عنكِ.
وأنا… تعبتُ من البحث.
تعبتُ من تلك اللحظات التي أبدو فيها بخير، ثم أشعر بأنّ شيئًا في داخلي قد استيقظ دون موعد. من ذلك الثقل الذي لا أستطيع أن أُشير إليه، ومن الأسئلة التي لا أجد لها إجابة، ومن محاولاتي المتكرّرة لأبدو كأنّني أعرف تمامًا ما يحدث لي.
فربما لا يكون أصعب ما في الأمر أنّ شيئًا ما يؤلمني، بل أنّني لا أعرف كيف أصل إليه. لا أعرف من أين أبدأ، ولا ما الذي ينبغي أن أتركه، ولا ما الذي ما زال ينتظر منّي أن ألتفت إليه.
أحيانًا، أتمنّى لو أستطيع أن أراكِ، ولو لمرّة واحدة. لا لأعاتبكِ، ولا لأطلب منكِ تفسيرًا، بل لأعرف فقط: هل أنتِ حقًّا غريبة عنّي، أم أنّني أمضيتُ كلّ هذه السنوات أهرب من شيء يحمل ملامحي؟
لكنّكِ لا تظهرين.
تتركينني أمام الأبواب القديمة، وأمام صرير الأقفال، وأمام ذلك الإحساس الذي يملأني ثم يتوارى، فأعود إلى يومي كأنّ شيئًا لم يحدث.
وربما هذا ما يُتعبني أكثر من كلّ شيء: أن يحدث في داخلي ما لا يراه أحد، وأن أواصل الحياة كأنّني لم أسمع شيئًا.
ومع ذلك، لم أعد أريد أن أطوي السنين كي أنسى، ولا أن أُجبر نفسي على إغلاق كلّ باب. أريد فقط أن أصل إلى تلك اللحظة التي لا أضطرّ فيها إلى الهرب كلّما سمعتُ صوتًا من الداخل.
أريد أن أفهم، دون أن أُحاكم. أن أقترب، دون أن أخاف. وأن أستطيع، يومًا ما، أن أسمع ذلك الصوت دون أن يرتجف شيء في أعماقي.
لا أعرف إن كنتِ ستخبرينني يومًا مَن أنتِ.
لكنّني أعرف أنّني لم أعد أريد أن أقضي عمري كلّه وأنا أتظاهر بأنّني لا أسمعكِ.
فأخبريني… مَن أنتِ؟
أم أنّ السؤال، منذ البداية، لم يكن عنكِ وحدكِ؟
— شيماء العياري
همسات من الروح


Votre commentaire