أدرتُ له ظهري ومضيت…

سحبتُ منه صكَّ الغفران، وحرّرتُه من حقّ العودة إلى قلبي، وتركتُه يواجه غيابي دفعةً واحدة، كأنّني أردتُ أن أمنحه النسيان الذي عجزتُ أنا عن منحه لنفسي.

ظننتُ أنّ الرحيل سيُسكت ضجيج روحي، وأنّ المسافة ستُطفئ ما أشعلته الذكريات، وأنّ إغلاق الباب خلفي يعني أنّ الحكاية انتهت.

لكنّني لم أكن أعلم أنّ بعض الأبواب، حين نغلقها بأيدينا، تظلّ مفتوحةً في أعماقنا.

تركتُ قلبي يتصدّع تحت وطأة الصدمة، وتركتُ الفتاة التي تسكنني تواجه الوجع وحدها؛ لا دفعةً واحدة، بل على مراحل متعاقبة، لا تكاد تنتهي إحداها حتى تبدأ أخرى.

مرّةً في هيئة ذكرى عابرة، ومرّةً في سؤالٍ بلا إجابة، ومرّةً في شعورٍ مباغت يعيدني إلى اللحظة التي تمنّيتُ لو أنّها لم تحدث.

كنتُ أظنّ أنّني حين أرحل، سأتحرّر. لكنّني اكتشفتُ أنّ الجسد قد يغادر المكان، فيما تظلّ الروح عالقةً عند آخر لحظة شعرت فيها بأنّ شيئًا منها قد انكسر.

فلا أنا أنسى، ولا أنا أشفى، ولا أنا أتجاوز…

كأنّني أقف بين حياةٍ تركتُها خلفي، وحياةٍ لم أستطع الوصول إليها بعد.

وأقسى ما في الأمر أنّني لا أريد العودة، لكنّني لم أستطع، حتى الآن، أن أصل إلى ذلك المكان داخلي الذي لا يعود فيه الماضي قادرًا على استدعائي.

— شيماء العياري
همسات من الروح

Votre commentaire