في الرواق، في زاويةٍ يبتلعها الظلام، تقف فتاةٌ بشعرٍ طويلٍ أسود، كليلٍ قاتمٍ لم تعرف سماؤه النجوم يومًا.

تذرف دموعًا كحبّات اللؤلؤ؛ نقيةً، خالصةً، تنحدر على وجنتيها دون أن تستأذن صمتها.

لم تكن تبكي رحيل أحدهم فحسب، بل كانت تبكي تلك الفتاة التي كانتها قبل أن تصدّق، وقبل أن تمنح قلبها مكانًا ظنّته آمنًا، وقبل أن تتعلّم أنّ بعض الأيدي التي نمدّ إليها أرواحنا قد تكون هي ذاتها التي تتركنا نتلمّس شظايانا وحدنا.

لقد انتُهكت حرمة قلبها، ودُمّر حصن روحها، لا لأنّها أحبّت، بل لأنّها صدّقت أنّ الحبّ وحده يكفي ليحميها.

كانت الكلمات تتزاحم في صدرها، ثم تموت قبل أن تبلغ شفتيها. أرادت أن تصرخ، أن تسأل، أن تفهم كيف استطاع من كان يعرف مواضع ضعفها أن يجعل منها مواضع لطعنها، لكنها لم تجد في داخلها سوى فراغٍ واسع، وصدى أسئلةٍ لم يعد للإجابات فيه مكان.

وقفت هشّةً كخشبٍ أصابه الكسر في عمقه؛ قد يبدو متماسكًا لمن يمرّ به، لكنّه يعرف أنّ لمسةً واحدةً في الموضع الخطأ قد تُسقط ما تبقّى منه.

لم تكن تخشى أن يراها أحدٌ تبكي، بقدر ما كانت تخشى أن يراها أحدٌ كما أصبحت: غريبةً عن نفسها، لا تعرف كيف تعود إلى قلبها بعدما صار المكان الذي كانت تلجأ إليه هو نفسه مصدر خوفها.

وفي ذلك الرواق البارد، أدركت أنّ بعض الخيانات لا تأخذ منّا الأشخاص فحسب، بل تتركنا نتساءل إن كان ما عشناه حقيقةً، أم أنّنا كنّا وحدنا نسكن الحكاية طوال الوقت.

— شيماء العياري
همسات من الروح

Votre commentaire